حوار مع الشاعر هاني نديم/علياء سروجي

من السهل رؤية ما تشف عنه مياه النهر العذبة كسهولة مد يدك لتمسك بالغيم النازل على الأرض في صباح ضبابي إنه ما يمكن أن يمثله لك هاني نديم لكن بصورة أكثر تعقيدا فبالرغم من كل الصفاء والشفافية التي يمتلكها لا يمكن لك رؤية ذلك البحر العالي الموج تحت مرايا النهر الرقيقة، وفي الوقت الذي تكون على يقين بأنك ممسكا بالغيم النازل أمامك بيدك فإنك لا تجد يدك.

لم يكن من المنصف محاورة الرجل حول جانب من جوانبه الإبداعية تأدبا أمام غزارة وبروز ابداعاته المتعددة والحاضرة بثبات ووضوح في ميدان الثقافة العربية المعاصرة لذلك كان الحوار بعض من بعض. عمل هاني نديم في الصحافة و الميديا من أوائل  التسعينيات الميلادية. لديه العديد من الأفلام الوثائقية والأرشيفية والإعلانات المصورة، كتب وأعد للإذاعة والتلفزيون العديد من البرامج الثقافية والأدبية والمسلسلات الدرامية والأفلام السينمائية. صدر له عدد من المجموعات الشعرية، و النقدية والمسرحيات. غنى من قصائده كبار مطربي العالم العربي، يعمل اليوم مدير نصوص إبداعية بشركة خدمات صحفية و دعاية و إعلان عالمية، كما يرأس القسم الثقافي في الوسط اليوم و له مقال أسبوعي في جريدة الاتحاد الإماراتية.

– العولمة وعصر المعرفة في خضم الطوفان الثقافي العالمي، هل حان الوقت للتخلي عن الثقافة العربية تماشيا مع قول ياروح مابعدك روح؟.

علينا أن نتخلى عن آلية عمل الثقافة العربية، لا عن الثقافة بكل تأكيد، نحن منغلقون إزاء الكثير من المستجدات، اللغات كلها تتغير بتسارع ورشاقة، والمعطيات جميعها قابلة للحراك والتقدم، مولعون نحن بالمقدس وعدم تحريكه من ثوابته، نخاف التغيير جداً في كل شيء، في الشعر والرواية واللغة برمتها، الإنجليز على سبيل المثال يضيفون بشكل متواصل كلمات جديدة على معاجمها وكذلك الفرنسيون وبقية الشعوب “الحيّة”، أما اللغة العربية فلعل الجاحظ آخر من أضاف إليها!. 

– صاحبة الجلالة يظن الكثيرون أنها في منطقتنا فقط تابعة لصاحب الجلالة مقارنة بالصحافة العالمية لكنك من بين أكثر الناس معرفة بأن الصحافة العالمية جميعها تابعة لأجندات خاصة. من المسؤول عن سلامة المرجعية الثقافية للقارئ؟

مر بكٌ هذا السؤال. في حقيقة الأمر أخالفك فيما يتعلق بالمقارنة بين الصحافة العربية والعالمية، ثمة بونٌ شاسع فيما يتعلق بالحريات والمخالفة وإبداء الرأي بيننا وبينهم، أما على الأجندات والتي لا تنتهي فحتى الأفراد لديهم أجنداتهم دون أدنى شك. أستطيع القول فقط أنه لا مرجعية اليوم مع انفجار وسائل الإعلام وتجاوزها الورق والشاشة إلى السوشيال ميديا التي أصبحت فردية. وبالتالي فالمرجعية اليوم هي ضمير الإعلامي ومصداقيته فقط لا غير.

– كيف تجد مهنة رئيس التحرير تحت ظل الراديكالية الثقافية والإعلامية؟

 بدايةً من المصطلح، فإن مسمى رئيس التحرير مضحكٌ للغاية!، فهو إذ يشي بالرفعة والسلطة والتحكم خاصة مع ولعنا كعرب بالرئاسة والسياسة، إلا أن رئيس التحرير هذا في حقيقة الأمر أصغر كائن يتنفس في المنشأة الإعلامية، فأنت تعلمين أنه لو حصل خطأٌ فادحٌ في جريدةٍ ما، يُسجن رئيس التحرير على الفور بينما يظل المحرر القاتل طليقاً في أروقة الجريدة!. رئيس التحرير أيضاً هو عتّال الهم والغم، دريئة الجميع وفزاعةٌ تحط عليها كل الطيور العابثة وهي تضحك، كما أنه نكتة المحررين والمصممين وأيقونة السباب لعامل الشاي والقهوة والقراء!. في العموم، تنبع أهمية رئيس التحرير من الجهة التي يعمل فيها وحساسيتها واتجاهها ومدى انتشارها. إلا أن الجميل فيها والخطير في آن، أن على رئيس التحرير أن يكون سياسياً ورياضياً وأديباً وفناناً تشكيلياً ومصوراً ومصمماً و عليه أن يكون خرتيتاً إضافةً إلى كل ما سبق ليحتمل نقد القراء وغلظتهم!.

– ماهي مسؤولية المثقف في الوقت الحاضر، وعلى من نلقي اللوم بتراجع الإنتماء إلى الثقافة العربية (السياسي أم الإعلامي أم الكاتب أو الباحث)؟

أشعر بالحرج وأنا أجيب على هذا السؤال جداً. لم يعد للمثقف أي وجود وهذا يعني عدم وجودنا من أصله!، لم تقدم الثقافة العربية شيئاً يذكر، والمحزن في الأمر أن العرب يربطون الثقافة والنخبوية بالأدب والفنون ولا يضمون العلوم لها! إذ أننا حقاً دون علوم وعلماء حقيقيين يغيرون واقعنا المزري بكل معنى الكلمة. العصر تجاوزنا ونحن ما زلنا نفخر بابن سينا وابن الهيثم ونستعيد الجرجاني والأصفهاني وابن عبدربه. بالمعنى “الخلدوني” نسبة لابن خلدون، لا ثقافة لمهزوم.. ونحن مهزومون للغاية.

– هل الشاعر أو المسرحي أو المبدع ولنقل المفكر بشكل عام مطالب بالخضوع لأيدلوجية أدبية أو انسانية ما؟

ما زال العالم في جدل من هذا، الجمال للجمال والفن للفن، الرسالة والغاية وخلافه من الآراء التي ترافق أي إبداع. العالم يعج بكل شيء ولديه القدرة على تلقي كل شيء.. كتابة أخلاقية وأخرى لاأخلاقية، مسرح عبثي ولوحة سوريالية، أغنية ملتزمة وأخرى متهتكة.. مدارس لا حصر لها من المعطيات الجمالية والفكرية، من وجهة نظري أن العالم بحاجة لكل هذا وكل منا يفرزه بحسب معطياته التكوينية، وإلا ما كان كل هذا الحراك الفكري على كوكبنا.

– شغلت لفترة رئيس تحرير مجلة نواعم وهي مجلة خاصة بالمرأة، كرجل يؤمن بجميع التضحيات التي قدمتها المرأة وبعيداً عن جميع الانتماءات برأيك ما الدور الذي ينتظر المرأة العربية في الأيام القادمة؟

كما ينتظر الرجل تماماً، لقد عملت قريباً من المرأة العربية ووصلني خلال عملي في الصحافة مئات التقارير والإحصائيات التي تؤكد وجود المرأة العربية بقوة توازي وجود الرجل العربي عكس ما يشاع بأنها ما زالت في الخلف. أتمنى أن أراها تتقدم أكثر وتقتحم ما يستأثر به الرجال، كالطيران والصناعة وغيرها.

– قليل من يملك التنوع الإبداعي الذي تملكه كيف استطعت الجمع بين كل هذه الأشياء وكيف تنسق بين كل هؤلاء المبدعين داخلك؟

لقد فعلت كل شيء من بوابة الشعر، أنا شاعر كطرحٍ نهائي منذ بداية اتصالي بنفسي وما حولي، أنا مولع بالقراءة وشغفي يتلخص في كتاب ومكان ناءٍ في هذا الكوكب لهذا أسافر وأقرأ. قرأت باكراً جداً من حسن الحظ، كنت أقرأ كل شيء، كتب أخي الكبير، فواتير الكهرباء، لوحات المحال، وحتى هذه اللحظة مولع بقراءة المهمل من القراءات، كالكتابة على علب الحليب مثلاً، أو محضر تحقيق لقضية طلاق. الصدفة واللغة قادتني لأروقة الصحافة باكراً وعلقت بتلك السوسة اللعينة وما زلت. إلا أنني أصر دوماً على أن أحافظ على الشاعر في داخلي. سواء كتبت إعلاناً أم كتبت أغنية.

– كتابتك للأغنية والعتابا والموال، ماذا يمثل لك الموال الشعبي وكيف تراه في خضم قصيدة النثر وما بعد الحداثة؟.

مررت بمراحل كثيرة عبر مسيرتي الشعرية ككل شاعر، العمود ثم التفعيلة فالنثر، ثم جمعت بين كل ما سبق في لوحة نصية واحدة، ثم بدأت بتجريب ملاحقة الصوت تلك النصوص التي تشبه أناشيد الرعاة التي تعتمد على قوافٍ متعددة وأوزان مختلفة أو غير موزونة أصلاً. بدأت بالتجريب وتلك المغامرة اللغوية بعدما قطعت مرحلة خوفي من القارئ وتأكدت من وجود اسمي على خارطة الشعر العربي. العتابا والمواويل جزء أصيل من مرجعيتي اللغوية لم أستطع تجاوزها يوماً. لم أعد مشغولاً بالشكل كما كنت، أكتب ما أشعر كيفما جاء، لهذا تدخل المواويل كثيراً إلى نصوصي كصوت ثان يمثلني دون أي مشغولات لفظية ومنشطات لغوية.

– هاني نديم الشاعر السوري الكبير الذي استطاع جمع أبناء بلده على محبته رغم كمية الخلافات التي تفرق بينهم، كيف هذا؟ وكيف يرى سوريا اليوم وغدا في وسط الخراب الحضاري والإنساني الذي واجهه ومازال يواجهه الواقع السوري؟

أتمنى حقاً أن أكون كما ذكرت، لقد عشت خارج سوريا منذ أول شبابي لهذا أنظر لها بكثير من القدسية والحب والخوف، إلا أنني أزورها كل عام أكثر من مرة ولم أنقطع عنها حتى في عز الحرب وقطع الطرقات. حينما وقعت الواقعة خفت على نسيج المحبة بين الأهل في البلاد، إذ تفرقت عشيرتي وأحبابي بين معارض وموال، وتحولت الألفة وردّات الميجانا والعتابا إلى حفلة توعد وسباب مرعبة بين الأقارب والأباعد، خفت على أهلي وخفت من أهلي، أصبح الكلام سكيناً كيفما تحركت جرحت.. وأنا عاطفي أكثر من أن أجرح الهواء. أما عن سوريا، فهي وطن للنسور لا يخيفها ما يجري ولا يؤثر بها فرد أو أحد، ستنجو قطعاً، وأتمنى حقاً أن ننجو من فخ الكراهية التي نصبتها لنا الحرب، حتى نستطيع تقريب الخلاص.

 

مقتطف من حوار/ مجلة عالم الكتاب