حدث ذات مرة أن …./ أشرف الجمال

 

 

(م)

من أي وطنٍ أنتِ
أيتها الهاربةُ من بلاد الله إلى قلبي 
تسيرين في الشوارع تحت القصف

تبحثين عن حديقةٍ تحت الرماد
تحملين على ظهرك
حطبا حنونا لعمرٍ تولّى
هذا الخريف الأيّن
لحنينٍ فاض عن ثقوب الروح

كنتُ أنتظرك

منذ سنوات أبحث عنك
بين نسوةٍ يُطرّزن الأقمطة لأطفال لم يولدوا
يغزلن سجادةً بصوف القلب
تسير عليها …..

آلام الوداعات .

 

(ا)

الشوارع تائهةٌ في دروب المرايا
قلِقةٌ وموجعة
كَدَلاّيةٍ على صدر أرملة
تحفر فينا أفكارها الوَجِلةَ عن الرحيل
عن الحب المحرم
نوافذ مجنونة تصرخ في الليل
ونارٌ تحاصر الأسئلة
لا شجرةَ هنا ولا ينابيع
قلبٌ يمزق الستائر
يقذف القناديل بالحجارة
ونساءٌ بلا رائحة
تسرق البيوت

لماذا تحتل رائحتك وحدها

طعم العالم.

 

(ل)

تواصلين جنونكِ الذي لا قِبَلَ لكِ به
تؤكدين لي أنك لم تفهمي بعد
من أين يأتي هذا البريق الذي يتركه الحزن الأبيُّ على المراسي
تقولين لي إنني أحبكِ كامرأةٍ تسطيع أن تغوي البحر بنعناعِ روحها

بضحكة مجروحةٍ

تداوين حرائق النخيل في نحيب أوْدِيتي

كيف أفكر في جسدك دون أن أرى حدائق آياتهِ 
وأنت القائلة: أكره الرجل الذي لا يغار من همسة الياسمين

على شرفات روحي

ليجذبني عطرك لأي بلدٍ
لا يهم
أنا المؤمن بأن جمْركِ أشد وهجاً من وطنٍ وديانةٍ

ماذا .. لو لم نراوغ سنواتنا كي نعبر الحياة

وماذا يفيد
أن نفرغ حنينا سُدى في قاع الينابيع
كم تبقّى من العمر
لنقتفي أثر أيامنا في هذه الصحاري

كم تبقّى من الموت 
و كم لدينا من سراب .

 

(س)

الحنين
هو هذا البرق الذي يولد من ذاته
لا ينتظر سوى هذه الأشجار العارية
الواقفة بروحي
ليعصف بكل ما تَبقّى لي من جَلدٍ
على مواجع الحياة

في سماء وحدتي
يهيم سِربٌ من الطيور
يثق بي
كما تثق الثمرة بالغصن
كما يثق الرمل 
بوحدة الخيام .

 

(ل) 

غريبٌ هو حُبي لك
مخلوقٌ من عُزلة الريحان بين الصخور
من غُربة الهداهد على قمم الروابي
من زُهد الرمل في الماء والأثر
طيلة الطريق أحمل قلبًا ثقيلاً
أكون منفيًا حين أجد بيتي
أكون بمفردي حين ترمقني مرآتكِ
بنظراتكِ الخضراء
بمراعي روحك البعيدة
بجبينك الذي يُخفي من الحزن

ما يَهَبُ النجومَ وَنَسَ عينيها
بتعاطفك النبيل مع أوراق كُتبكِ
لتكوني جميلةً لأجلي
برائحة جسدك في خيوط الصوف
لتكوني حنونةً لأجلي

وحيدة أنتِ دائما
كنرجسةٍ عزلاء في جزيرةٍ نائية

تُومض وَجْنتها

بمناجاةُ الله.

 

 (م) 

ليس لدينا وقتٌ كافٍ لنتألم 
لتهدينا أحزانُنا الدروسَ الضروريةَ للحياة
نحن الذين توحدنا مع سَنْط الصحاري
ليطوّقنا الحنين كما تُطوّق الأمواجُ سفينةً شاردة
كفراشةٍ تسفك روحَها لصمت الينابيع
نُحَنِّي كفوفنا بدماء المحبة..
نطرق كالغرباء أبواب قلوبنا
ونعلم يقينا

أن من يسكنونها

لا يسكنوننا..

لم يكن عدلاً

أن تُذبَحَ الوردةً

  – فقط –
لِتلّوِّن لوحة الرسّام.

 

(ى)

أبدًا .. لم يكن الثمنُ باهظًا 
يا قلبي ..

كل يوم أدفن قصيدةً في ضلوعي
أتسلل إلى طفولتي وأطوف بها ليلا
على درّاجتي الصغيرة المنسية في بئر السلم
إلى جوار أول حقيبة مدرسية اشتراها لي أبي
وكراكيب أحلامي 
الطريق بعيدٌ إلى البحر
والبدّال
ينخر سنواتي

إنها الوجوه .. 
الأوطان والمنافي
لم أقل لكِ تعاليْ
ولم أُنادكِ من وراء الحزن الذي ينصب الخيام لدمي
إنما تأملتُ مِعْوَل السنوات في ملامحكِ
جُرحَنا الواحد
نحن الضائعان بين القوافل
والقوافي .

 

(م)

تتسللين بوداعةٍ إلى روحي
مثل نهرٍ في الليل

مُسْكِرةً بين شفتي

كَحَبّةِ تُوتٍ مصريةٍ .. سمراء

كم تبدو معقدة معادلة الحياة

الأعقد.. تلك الصُدف التي تقلبها
رأسا على عقب
مثل سقفٍ يسقط فوق هرة
أو شجرة تنمو بين الصخور
لكأني بك تسألين إلى أين؟
أنا لا أعرف إلى أين
سوى أننا نتسرب معا إلى حقيقتنا
نتحسس بألمنا الكفيف طريق قلبينا
مثل مياهٍ جوفيةٍ تبحث عن مستقرها
وكما يبحث الماء عن سِرّه 
في عروق الغصون. 

 

(ث) 

كوني حلما أو حقيقة ..
الشمس تشرق كل يوم
تمنحنا نورها والدفء
في المقابل 
تحيلنا ظلالا
أنا هنا .. وربما أكون وحدي
ماذا أقول لكِ .. وأنا أتحدث عن هذه العظام المجهدة
عن قلبي .. الصامت دائما وأبدا
رغم أنه يتدفق .. كنهرٍ صاخبٍ وقاتمٍ
وأزليّ
كل أفراحي تركتني وراءها
والزمن .. سرق كل مصابيحي
أنا المجنون
الذي نسى ما مضى
ولا يفكر في عاقبة ما سيأتي

يملك من الشك ما يحرق مدينةً

ويملك من اليقين
ما يعرف به

أين تختبئ تحت ركامها..
كنوز محبتك .

 

(ي)

حُبكِ شفيفٌ حزنه
غير قابلٍ للتكرار
مثل دِيكِ يصيح من قريةٍ بعيدةٍ
قبل أن يُذبَح 
يهدر من أقصى نبعٍ في القلب
من روائح الأمومة والحقول التي لم تفقد براءتها
من عبّاد الشمس ولوز القطن الأبيض
من صلصال الجرار والأباريق فوق السطوح
من وَجْد الحَضَراتِ ودموع أورادها
من طقطقة المِلح تحت البخور
حُبٌّ يوجز الرحلة كلها في خطوة
رحلة الألم مع الجسد
الأرصفة و وهم الظلال
الروح وسهم الغربة
يختصر حياته وقلبه
حنينه وصمته
 آلامه ومنفاه 
تحت سطر واحد :
(من هنا يبدأ الطريق إلى الله).

 

(ل)

من آنٍ لآخر
نهجر أجسادنا ونعود إليها
ربما نكون مضطرين للعودة
لكننا لسنا مًجبرين على فعل كل شيء
هناك أدغالٌ بعيدةٌ لا يمكن اقتحامها بأجسادنا
حيث الطفولة نائمةٌ كزهرة خشخاش على حافة جدول
والروح تصغي بحكمة لصوت السفن الغريقة في القلب

وأنت لا تزالين
تؤمنين بأن قضية النار الأولى هي حرق الغصون
التخلص من الشعور المُؤرّق بأن ثمة فصاماً بين الشجرة وظِلّها

إسقاط الإيمان بغريزة الازدواج
عقيدة أن الحياة لا يمكن أن تكون طبيعية

بين امرأةٍ تسكن بيت رجل

ورجلٍ يسكن بيت قلبها

إحلال لاهوتٍ جديدٍ للجنس والحب والحياة 
لا يعدو كونه حنيناً ممتداً وبلا غاية للفهم
قرصنةً خفيّةً لسحائب الترحال ..

للفناء في مطلق حقيقي أو مفترض

أنا الذي يتوق لأن يكون هذا الدفء القاني

لكهرمان شفتيكِ

قلت إننا من آن لآخر نهجر أجسادنا 
ونعود إليها
وإننا ربما نكون مضطرين للعودة
علينا أن ندرب أنفسنا أن نحيا وِفْق مغالطة هذا العالم

كزهرةٍ برّيةٍ جموح

سجنها البائعون في إصيصٍ
وأن نصبح أكثر التصاقا بذواتنا
أن نؤمن بصدق

 بحقيقة منفانا

نحن المطاردون من أشباحنا

المطرودون من كل جَنّةٍ

وكل جرائمنا

.

.

.

أننا أحببنا.

…..

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*